المقريزي

121

المقفى الكبير

مجالسه وقد شرع في كلام ما كمّله ، وأخذ في قول ما أتمّه ، فقام ابن الكاتب المالكيّ وقطع عليه الكلام وأخذ في الإنكار عليه ، وقام معه أناس قلائل ، وهمّ بهم السواد الأعظم حتّى كادوا يثبون بهم . ثمّ حجز بين الفريقين . ورفع ابن الكاتب القضيّة إلى الحكّام ، وكان كلاما يقتضي قبل تمامه ما أوقد حميّة بعض الحكّام عليه ، فتحدّث مع البقيّة « 1 » . ثمّ حدّثوا السلطان فيه فاستشاط غضبا وأمرهم فيه بأمر كاد [ 86 ب ] فارطه لا يستدرك . فقيّض له من بلغ السلطان القضيّة وأوصل إليه الخبر على جليّته ، وعرّفه بمكانة الشيخ وما هو عليه من العلم والدّين ، فسخّره اللّه له وقلب تلهّب غيظه عليه بردا وسلاما ، وبعث إلى الحكّام بالتمهّل في أمره . ثمّ طلبه السلطان وادّعى عليه لديه ، وسأله عمّا قال فاعترف . فحكم بصحّة إسلامه وقبول توبته وإبقائه على ماله وزوجته وعدالته ومناصبه بعد استيفاء الشرائط الشرعيّة وفعل كلّ ما يجب شرعا . ثمّ عقد له مجلس بالمدرسة الصالحيّة عند قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ فطلبه ، فنزل من القلعة إليه والناس حوله ، وقد ملأ سواد الناس ما بين القلعة والمدرسة . فلمّا حضر مجلس الحكم العزيز ادّعى عليه ، فأجاب بما حكم به السلطان وأوصل حكم السلطان بالقاضي القزوينيّ ، وحكم حكما آخر مستقلّا للشيخ بمثل ذلك . وامتنع من الكلام في المجالس العامّة ، ثمّ تكلّم . وهو رجل قد جمع اللّه عليه القلوب ، وجمع له من أشتات ما لا هو في ظنّ ظانّ . هذا إلى حسن الشكل ، وتنوير الوجه والصورة ، وجمال الذات والهيئة ، وجودة الخطّ وحسن اللفظ وبراعة اللسن وكرم النفس وجميل السجايا ، فآها على دهر فرّق بيننا وبينه ، وزمان أبعد المدى عنه ! وله نظر ثاقب في الأدب ونظم بديع . انتهى . 1770 - أبو جعفر البخاريّ [ - 482 ] « 2 » [ 88 ب ] محمد بن أحمد بن عبيد ، أبو جعفر ، البخاريّ ، الحنفيّ . قرأ بما وراء النهر على أبي إسحاق النّوقديّ ، وأبي عبد اللّه محمد بن يحيى البكرآباذيّ . وقدم الشام فولي قضاء حلب . وبعث به أنوشتكين الدزبري « 3 » صاحب حلب رسولا إلى ما وراء النهر ومعه مال عظيم ، ليبني له مدارس ومساجد وقناطر ، ويصل أهلا له هناك : فإنّه خرج من عندهم مملوكا فقيرا ، فأراد أن يعرّفهم أنّه صار ملكا بالشام . فوصل أبو جعفر إليهم فحبسوه وقالوا : جئتنا في رسائل الإسماعيليّة . وبقي في حبسهم سنين ، حتّى أطلق بسبب طريف : وهو أنّ الخان كتب إلى السلطان ألب أرسلان يعنّفه على نهب العساكر ببلاد خراسان وكثرة عيثهم بها ، فأجابه بالاعتذار والتبرّي من هذه الأفعال ، وأنّه ودّ أنّه لو مات ولم يكن ذاك ، وعادة العسكر إذا طرقوا البلاد أن يفعلوا الأفاعيل حتى تستقيم الأمور ، ولكن ما عذركم في رجل فقيه أتاكم من بلاد بعيدة برسالة رجل منكم قال لكم : إنّي حصلت الأموال وأريد أن أصرفها في الطاعات وأن أعمّر جوامعكم ومدارسكم وأتصدّق على فقراء عرفتهم عندكم ، فأخذتم المال وحبستموه ؟ فلمّا وقف الخان على الكتاب - وكان أبوه الذي

--> ( 1 ) أو : مع الفقيه . ( 2 ) الجواهر المضيّة ( طبقات الحنفيّة لابن أبي الوفاء ج 3 / 44 ( 1179 ) ) . ( 3 ) الدزبريّ : انظر ترجمته رقم 845 .